إن القنوت من المسائل الهامة التي يختلف فيها بيان متى يشرع القنوت وصيغته حتى لا يقع المصلي بالحرج.. وقد اختلفت أحكام وأشكال القنوت حسب المواضع التي يتم فيها، لذلك يجب على كل مسلم الاهتمام بمدى مشروعيته والأشكال التي يكون عليها، لذا ومن خلال موقع شملول نقدم لكم بيان متى يشرع القنوت وصيغته.

متى يشرع القنوت

يوجد للقنوت العديد من المعاني المختلفة فمنها الخشوع، ودوام الطاعة، والسكوت.. ويقصد بالقنوت هنا هو الدعاء لله -عز وجل-، وقد وجد معنى أخر لما هو القنوت.

فقد عرف أنه الصلاة وذلك لحديث القائل: (مثل المجاهد في سبيل الله كمثل القانت الصائم أي المصلي).. أو أنه القيام وذلك استنادًا لقول جابر: (سُئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.. أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت).

تعددت المواضع والحالات التي يشرع فيها القنوت وصيغة.. ومن تلك الحالات ما سنشير إليه عبر السطور المقبلة.

قنوت الحاجة أو النوازل

اختلف جمهور العلماء على مشروعية قنوت الحاجة.. حيث أقر جمهور الفقه على مشروعيته بكافة الصلوات.. بينما قام المذهب الحنفي باقتصار أمره على الصلوات الجهرية فقط، لذلك فالرأي الراجح هو استحبابه في كافة الصلوات إذا نزلت بالمسلمين نازلة، وقد وجدت بعد الفوائد من قنوت الحاجة منها الآتي:

  • تعريف المسلمين بأحوال بعضهم بكل مكان.
  • براءة لنا أمام الله عند سؤالنا يوم القيامة.
  • به تطبيق لسنة الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
  • القيام بعبادة الدعاء خاصة أثناء الصلاة، وذلك كما ورد بالحديث الصحيح (إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بصلاتهم ودعوتهم وإخلاصهم).
  • به اهتمام لحال المسلمين والدعاء بحل مشاكلهم، حيث إن الدعاء شامل بالجمع.

محل قنوت الحاجات أو النوازل

وجدت العديد من الأحاديث النبوية الشريفة التي تؤكد على أن دعاء القنوت للنوازل قبل الركوع.. بينما أفادت بعض الأحاديث الأخرى أنه بعد الركوع، بينما قامت فئة من العلماء على إجازة الأمرين.. وذلك استنادًا لما يلي:

  • حديث ابن عمر: (أنه سمع النبي إذا رفع رأسه من الركوع).
  • حديث أنس بصحيح البخاري والذي قال به: (قنت النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد الركوع شهرا يدعو على رعل وزكوان).
  • قول البيهقي بسننه: (ورواةُ القنوت بعد الركوع أكثرُ وأحفظُ فهو أولى).

بذلك يمكن الإتيان بالقنوت قبل الركوع أو بعدة.. ولكن يفضل أن يكون بعد الركوع فهو أولى وذلك استنادًا لقول معظم علماء الفقه.

مدة قنوت الحاجات أو النوازل

يمكن الشروع بالقنوت بالفترة التي نزلت بها النازلة أو وقت الحاجة، ويمكن الشروع بها لأيام بعد نزولها فجأة ثم إقلاعها.. وذلك كما بالسنة لشهر الرسول -صلى الله عليه وسلم- قنوته على ذكوان ورعل، حتى ولو كانت النازلة مستمرة يستمر بالقنوت إلى أن تنتهي أو تقلع.

ذلك استنادًا لحديث أبي هريرة، بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: (اللهم نج الوليد بن الوليد ، اللهم نجِّ المستضعفين من المؤمنين) ثم قال أبى هريرة: (ثم رأيت رسول الله ترك الدعاء بعدُ.. فقيل (وما تراهم قد قدموا) فقد قنت رسول الله حتى فرّج الله همّ المسلمين فقدم منهم إلى مكة الكثير).

الجهر به ورفع الأيدي ومسح الوجه بعده

اتفق كافة العلماء على إمكانية الجهر بالدعاء بالخمس صلوات.. وأن التأمين جائز ومستحب للمأمومين، حيث كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يدعوا وقت النازلة وكان المؤمنين يؤمنون ورائه.. وذلك لقول ابن عباس: (قنت رسول الله شهرًا متتابعًا ويؤمن مَنْ خلفه).

ثبت أن رفع اليدين في غير حديث أن النبي كان يرفع يديه بالدعاء، فعن حديث أنس بقصة قتل القراء السبعين وبإحدى رواياته: (فلقد رأيت رسول الله في صلاة الغداة رفع يديه فدعا عليهم)، لم يثبت القيام بمسح الوجه بعد القنوت فقد قال البيهقي: (فأما مسح اليدين بالوجه عند الفراغ من الدعاء فلست أحفظه عن أحدٍ من السلف).

القراء الذين اضطلعوا على هذا الموضوع قد شاهدوا أيضًا:

القنوت بصلاة الوتر

متى يشرع القنوت

إن القنوت بالوتر مشروع وذلك اعتمادًا على معظم المذاهب (المذهب الحنفي، والشافعي، ومذهب الحنابلة).. ولكن وجد اختلاف بين أن القنوت من السنن أو أنه من الآثار.. فمنهم من أصر على أنه من السنة وذلك استنادًا لما يلي: أن عن الحسن بن علي -رضي الله عنهما-.. أنه قال:

(عَلَّمني رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- كلماتٍ أقولهنَّ في قُنوتِ الوِترِ: اللهمَّ اهْدِني فيمَن هدَيْت، وعافِني فيمَن عافَيْت، وتولَّني فيمَن تولَّيْت، وباركْ لي فيما أَعطَيْت، وقِني شَرَّ ما قَضَيْت؛ فإنَّك تَقْضِي ولا يُقْضَى عليك، وإنَّه لا يَذلُّ مَن والَيْت، تباركتَ ربَّنا وتَعالَيْت).

بينما أصر البعض الأخر من كبار العلماء والفقهاء على أنه من الآثار وذلك استنادًا لقول عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه.. فقال: (كان ابنُ مسعودٍ لا يَقنُتُ في شيءٍ من الصَّلواتِ إلَّا في الوتر قبلَ الركوعِ).

حكم القنوت بصلاة الوتر

لا يوجد دليل على وجوبه حيث أنه سنة يمكن القيام بها من وقت لآخر.. أو تركها لعدم ثبوت دوام الرسول -صلى الله عليه وسلم- على فعله، فقد قال الألباني في صفة صلاة الرسول: (وإنما قلنا أحيانًا لأن الصحابة الذين رووا الوتر لم يذكروا القنوت فيه، فلو كان يفعله دائما نقلوه جميعًا عنه).

حكم التكبير ورفع الأيدي والصلاة على الرسول

لم يرد أي دليل على التكبير عند البدء بالقنوت بينما قال الألباني عند رفع اليدين: (ثبت مثله عن عمر وغيره في قنوت الوتر).. ويستحب رفع اليدين أثناء الدعاء خاصةً إذا قام الإمام بالدعاء وهو رافع يديه وذلك اتباعًا لـ(إنما جُعل الإمام ليؤُتم به).

ثبت عن أبى بن كعب بقيام رمضان أنه كان يصلي على الرسول في آخر القنوت وذلك بعهد عمر -رضي الله عنه-.. فتعتبر الصلاة على النبي زيادة لا بأس بها ومشروعة.. فقد روى بان خزيمة وثبت عن معاذ الأنصاري أن: (فهي زيادة مشروعة لعمل السلف بها، فلا ينبغي إطلاق القول بأنها بدعة).

قنوت رمضان

لا يتم قنوت رمضان إلا بالركعة الأخيرة من صلاة الوتر بقيام رمضان، حيث يقوم الإمام بالقنوت بالنصف الثاني من رمضان ويكثر منه خاصة بالعشر الأواخر من رمضان لما به من أعظم الأيام.. وهو يوم ليلة القدر، وقد اختلف قنوت الوتر عن قنوت رمضان فيما يلي:

  • قنوت الوتر يكون بدوام العام.. بينما قنوت رمضان بالنصف الثاني فقط.
  • يكون قنوت الوتر للفرد فقد وأن يسر به.. بينما قنوت رمضان يكون جهرًا فالإمام متبع من المصليين.
  • قنوت الفرد يدعوا فيه ولا يؤمن، بينما الإمام فقط هو من يدعوا بقنوت رمضان ويؤمن المصليين ورائه.

قنوت الفجر

يكون قنوت صلاة الفجر بالركعة الأخيرة من صلاة الصبح.. وقد اختلفت المذاهب علية طريقة الدعاء فقد رأى الشافعية أن القنوت هنا يكون جهرًا، بينما رأى المالكية أنه يكون سرًا بصلاة الصبح لكل من الإمام والمأموم والمصلي المنفرد.

ذهب المذهب الحنفي والحنابلة إلى وأهل الحديث إلى عدم مشروعية قنوت الفجر.. وجد أن هذا الرأي هو الراجح، ذلك لعدم ثبوت مداومة الرسول صلى الله عليه وسلم على قنوت الفجر لذلك قام مجموعة من السلف بإنكاره.

ذلك لقول ابن القيم بالزاد: (من المعلوم بالضرورة أن رسول الله لو كان يقنت كلّ غداةٍ ويدعو بهذا الدعاء ويؤمّن الصحابة لكان نقل إلينا)، وعن ابن حبان أن عن أبي هريرة قال: (كان رسول الله لا يقنت في صلاة الصبح إلا أن يدعو لقوم أو على قوم).

صيغة دعاء القنوت

وجدت بعض صيغ القنوت المختلفة لكن لا يعتد إلا بكل من أدعية قنوت الشافعي وأبي حنيفة.. فكل تحريف أو تطويل على المصليين فهو بدعة، وتتمثل الأدعية فيما يلي:

القنوت عند الشافعي

قام الشافعي رحمة الله بنقل هذا الدعاء عن الخلفاء الأربعة -رضي الله عنهم-.. وكانت صيغة الدعاء: (اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت).

القنوت عند أبي حنيفة

يكون الدعاء للمذهب الحنفي بالوتر وعند النوازل والصلوات الخمس، ويكون قبل الركوع بالركعة الأخيرة من الصلاة.. وذلك ما قام المذهب المالكي بموافقته مع الحنفية.. وقد كانت صيغة الدعاء كما يلي:

(اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونؤمن بك ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله نشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق).

البدع بالقنوت

بعد أن تناولنا كل ما يدور حول متى يشرع القنوت، سوف نسلط الضوء الآن على البدع المبتكرة في هذا الشأن، حيث وجدت العديد من البدع بالقنوت التي لا يوجد لها أي أحاديث أو ما قد يدل على ثبوتها.. فبالرغم من إيضاح مشروعية القنوت وصيغة، إلا أن بعض الشيوخ قد يرتكبون بعض البدع، وهو ما قد يؤثر على بعض المصلين بالسلب، ومن البدع التي وجدت بالقنوت ما يلي:

  • البحث عن غرائب الأدعية وافتعال السجع بالدعاء.
  • بدء بعض الأئمة دعاء القنوت بغير ما ذكر بنصوص وأثار السلف.
  • عبارات الثناء.. حيث قال المطيعي بهامش المجموع للنووي: (ومن البدع التي لم بجد لها أصلاً قول المأمومين عند عبارات الثناء هذه (حقًا) وقولهم عند (تباركت ربنا وتعاليت، يا الله).
  • التمطيط بالدعاء والتغني به أو الوعظ كما يفعل بعض الأئمة.. مما قد يؤدي إلى نفور بعض المصلين.
  • المداومة على قنوت الفجر والوتر بغير النوازل مع الصلوات الخمس.
  • التطويل بالقنوت بما يشق على المؤمنين.
  • جلب بعض الأدعية المخترعة والتي لا أصل لها.. والاستمرار باستخدامها أثناء الدعاء.

بذلك نكون قد وضحنا لكم بيان متى يشرع القنوت وصيغته، مع إيضاح كل نوع من أنواع القنوت.. وما الأحكام التي توجد بكل نوع مع الاستعانة ببعض الأقوال المثبتة، بالإضافة إلى ذكر الدعاء بكل من المذهبين الحنفي والشافعي.. حيث لا يجب الدعاء إلا بهم، بالإضافة إلى توضيح البدع التي يقوم بعض الشيوخ بها والغير مستحبه.. حتى لا ينفر المصلين من الصلاة خاصة أن منهم من يكون مريضًا، ونرجو أن نكون قد قدمنا لكم النفع والفائدة.